نصر حامد أبو زيد
56
الاتجاه العقلي في التفسير
بأن الضدين لا يجتمعان ، وأن الأجسام لا تخلو من الاجتماع والافتراق وكل معلوم بأوائل العقول » 43 . ومن الواضح أن هذا العلم الضروري هو علم المحسوسات أو الإدراك الناتج عن استخدام الحواس الخمسة . والمعرفة الحسية عند الباقلاني معرفة ضرورية لا يمكن الشك فيها أو الارتياب بمتعلقها . ويضاف إلى هذه الحواس الخمسة ما يطلق عليه الباقلاني « أوائل العقول » التي « تخترع في النفس ابتداء من غير أن تكون موجودة ببعض هذه الحواس » 44 . ويبدو أن الباقلاني بذلك يساوي بين المعرفة الحسية والمعرفة البديهية - أوائل العقول - ولا يعلّق ثانيتهما بأولاهما . بل هو يؤكّد هذا الانفصال الكامل بينهما بقوله « فكل هذه العلوم الواقعة لنا بالمعلومات التي وصفناها توجد مخترعة في النفس ، وجدت هذه الحواس وما يوجد بها من الإدراكات أو لم توجد » 45 وليس من المستبعد أن تكون هذه العلوم الضرورية بجانبيها الحسي والبديهي من خلق اللّه ، ولا قدرة للانسان عليها أصلا ، فهي مما يجده الانسان في نفسه دون إرادة لها أو قصد إليها » وحقيقة وصفه بذلك في اللغة أنه مما أكره العالم به على وجوده ، لأن الاضطرار في اللغة هو الحمل والاكراه ، وهو الالجاء » 46 . وعلى العكس من ذلك ، العلم النظري فهو « علم يقع عقيب استدلال وتفكّر في حال المنظور فيه أو تذكر لما نظر فيه ، فكل ما احتاج من العلوم إلى تقدم الفكر والرويّة وتأمل حال المعلوم فهو الموصوف بقولنا علم نظري . وقد يجعل مكان هذه الألفاظ أن نقول : العلم النظري هو ما بني على علم الحس والضرورة ، أو على ما بني العلم بصحته عليهما . ومعنى قولنا في هذا العلم أنه كسبي أنه مما وجد بالعالم ، وله عليه قدرة محدثة » 47 فالعلم النظري بذلك مباين للعلم الضروري من جميع الوجوه ، فهو - أولا - علم استدلالي يقع بعد نظر وتفكّر في حال المنظور فيه . وهو - من هذه الزاوية - مباين للعلم الضروري لأن « من حكمه جواز الرجوع عنه والشك في متعلقه » 48 . والعلم النظري - ثانيا - مباين للعلم الضروري في أنه مما يقدر عليه العالم بالقدرة الحادثة ، فهو علم من فعل العبد ويقع تحت قدرته ، ولذلك يسمى علما كسبيا . والعلم النظري - ثالثا - ليس علما مبتدأ كالعلم الضروري ، بل هو علم يبنى على علم الحس والضرورة ، بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد أو يتوصّل إليه إلّا بعد وجود العلم الضروري بجانبيه الحسي والبديهي اللذين يعدّان مقدمات ضرورية له . وثمّ مرحلة وسطى بين العلم الضروري والعلم النظري لا بدّ من اجتيازها ، ألا وهي مرحلة النظر والاستدلال . ويعرّف الباقلاني الاستدلال بأنه « هو نظر